الشيخ محمد رشيد رضا
127
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والناس متفاوتون في هذا استعدادا واستفادة فلا يمكن أن يكونوا على دين واحد أو رأي واحد - فدع أيها الرسول هؤلاء المفترين على اللّه بانتحال ما لم يشرعه له وما يفترونه من العقائد والاعمال المستندة إليها وعليك بما أمرت به من التبليغ ، وللّه تعالى سنن في الاهتداء لا تتغير ولا تتبدل ، فلا يحزنك أمرهم ، فان من سنته أن يغلب حقك باطلهم هذا معنى الآية الموافق لكتاب اللّه ومقتضى صفاته وسننه في خلقه التي أخبر بأنها لا تبديل لها ولا تحويل ، وليس معناها ان مشيئة اللّه تعالى قد تعلقت بأن يقتل هؤلاء أولادهم تعلقا ابتدائيا بأن يكون أمرا خلقيا كدوران الدم في البدن لا اختيار لهم فيه ولا يستطيعون سبيلا إلى تركه ، كيف وقد وصفهم في الآية الآتية بأنهم يفعلونه سفها بغير علم وقد تركوا هذا السفه والجهل بهداية الاسلام فلا حجة في الآية للجبرية وإن لهج بها خواصهم وعوامهم بغير علم ولا فهم * * * وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا هذه ثلاثة أنواع أخرى من أحكامهم المخترعة المبنية على غواية شركهم ( فالأول ) أنهم كانوا يقتطعون بعض أنعامهم وأقواتهم من الحبوب وغيرها ويمنعون التصرف فيها إلا فيما يخصونها له تعبدا ويقولون « هي حجر » وهو بالكسر بمعنى المحجور الممنوع أن يتصرف فيه كالذبح بمعنى المذبوح والطحن بمعنى المطحون ويجري وصفا للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع لان حكمه حكم الأسماء غير الصفات وأصله ما أحيط بالحجارة ومنه حجر الكعبة وسمي العقل حجرا لأنه يمنع صاحبه مما يضر ويقبح من الاعمال . قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي : الحجر الحرام مما حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا اه أي وما حرموا من غيرها . وقال زيد بن أسلم حجر انما احتجروها لآلهتهم . وقال قتادة حجر عليهم في أموالهم من الشياطين وتغليظ وتشديد ولم يكن من اللّه . أي ولهذا قال بزعمهم . قالوا وكانوا يحتجرونها عن النساء ويجعلونها للرجال وقالوا إن شئنا جعلنا للبنات فيه نصيبا وإن شئنا لم نجعل . وهذا أمر افتروه على اللّه ( والثاني ) أنعام حرمت ظهورها أي أن تركب قال السدي هي البحيرة والسائبة والحامي . وقد تقدم ذكرها في سورة المائدة